الأحد، 22 مارس 2015

نظرة اقتصادية للتاريخ والزمن ...

كيف يرى الاقتصاد التاريخ ورحلة البشرية  منذ ايام الفراعنة الى يومنا هذا ؟ ماهي النظرة الاقتصادية التي من خلالها نستطيع ان نحصل على معلومات غير القصص والاحداث التاريخية ؟
كنت اشاهد محاضر راقي بكلماته يتكلم عن التاريخ ويشرح فيه قصة البشرية والاحداث المهمة التي غيرت مسيرة الزمن، وفي منتصف خطبته شدتني جملة قال فيها " ان التاريخ بعد 1900م بدأ يجري سريعا "، فبدأت اسال نفسي: لماذا بدأ العالم يجري ؟ وما معناة كلمة "يجري"؟ هل هناك ترجمة اقتصادية لمعنى كلمة "يجري" ؟ اسئلة كثيرة محورها " لماذا ؟" وهذا النوع من الاسئلة هي كينونة علم الاقتصاد، لان علم الاقتصاد هو علم سلوكي يدرس الظواهر بشكل عام سواء كانت تجارية او سلوكية او اجتماعية او تاريخية، باحثا عن تحليل منطقي للسلوك ...
لذلك بدأت رحلتي في دراسة التاريخ، وهدفي هو تطبيق الاقتصاد في مجال التاريخ باحثا عن جواب يفسر ظاهرة وهي "لماذا بدأ التاريخ يجرى سريعا ؟"، محققا بذلك اول خطوة في البحث العلمي وهو تحديد الظاهرة، ثم انتقلت الى اختيار المتغيرات والعينة التي سيتم دراستها ومن ثم الى الاختبار الفرضية والاستنتاج ...
وكانت خلاصة رحلتي التاريخية جميلة جدا، واول النتائج هو الرسم البياني التالي (رقم 1 ) الذي يوضح حركة البشرية واهم الاحداث مثل (الاختراعات والحروب والدين والفلسفة ) بالنسبة الى الزمن، فالعامود الافقي يدل على الزمن يبدأ من 700 قبل الميلاد الى 2000 ميلادي، والخط الافقي يمثل ميلاد النبي عيسى عليه السلام (خط الصفر).

من الرسم البياني نستطيع ان نرى بان التاريخ مقسم الى اربعة اجزاء رئيسية:
1.       الجزء الاول الفترة القريبة من نزول الانبياء عليهم السلام (نبينا الرسول الاعظم صل الله عليه واله و النبي عيسى عليه السلام ) وهي من 300 قبل الميلاد الى 600 ميلادي
2.       والفترة الثانية هي فترة الخمول تبدأ من 700 م الى 1600 وهي الفترة التي تضعف فيها الاحداث وخاصة العلم والاختراعات
3.       والفترة الثالثة وهي ما يطلق عليها عصر الصناعة او ثورة الصناعة وتبدأ من 1700 م الى 1930م
4.        والفترة الاخيرة هي ما بعد 1930م الى يومنا هذا
ان الفترة الاولى هي فترة نشطة تظهر فيها العلوم والاختراعات بشكل مكثف (موضحها بالنقاط المتقاربة على مستوي افقي) وذلك بسبب نزول الانبياء عليهم السلام، فوجودهم في هذه الحقبة يحرك المجتمع ويدفع به الى الامام وذلك لمحاربتهم للجاهلية وارشادهم الى الطريق الصحيح، لذلك ترى ان النقاط تتزايد قبل وبعد نزول النبي عليه السلام ...
اما الفترة الثانية فهي فترة خمول وذلك لغياب الانبياء عليهم السلام، كانت هناك بعض الاحداث لكنها كانت متفرقة ومتباعدة وبينهم فترات طويلة تصل الى 300 سنة تقريبا
اما الفترة الثالثة وهي انشط فترة وتبدأ من 1700 م وتلقب بالثورة الصناعية، وكانت الاختراعات متتابعة كل اختراع يمهد للاختراع الذي يليه، فكانت الانجازات تلمس كل القطاعات وليس فقط الصناعية مثل الطب، والفلك و الطبيعة ...  والسبب الاساسي هو ضعف الكنيسة وفقدان وزنها الديني والاجتماعي امام العلوم والتطور، مما جعل العقول تتحرر من قيود الدين وسطوة الكنائس ...  
اما الفترة الرابعة هي ما بعد 1900 م وهنا تصعب تتبع التطور واصبحت الاختراعات بالمئات بل بالألاف كل يوم وبدأ العالم بالفعل يجري سريعا، ففي السابق كانت هناك فتره زمنية بين الاختراعات على الاقل 10 سنين، لكن في القرن العشرين اصبحت الاختراعات لا طعم لها من كثرتها.
الرسم البياني التالي يبين نوع الاحداث التاريخية ونسبتها الى العدد الاجمالي، وان العلوم والحروب هي المحرك الاساسي الذي دفع العالم الى التقدم والتطور، فبالرغم من ان الحروب هدرت ملايين الارواح، لكنها سهلة عملت نقل العلم الى القرارات والمناطق المختلفة

اما الرسم البياني الثالث يلخص المناطق التي تركزت فيها الاحداث، وتوضح بان اوروبا وخصوصا بريطانيا والمانيا هم المصدر للتطور والاختراعات وتغيير مسار البشرية الى الافضل

خلاصة الكلام ان الاقتصاد علم سلوكي يدرس اي ظاهرة سواء كانت اجتماعية او سلوكية او تاريخية او تجارية ... وان الاقتصاد استطاع ان يترجم القصص التاريخية الى لغة ارقام تسلط الضوء على العناوين العامة وتلخص التفاصيل لتعطيك نظرة شاملة عن اي موضوع.

السبت، 21 مارس 2015

نظرة في الهيكل الاقتصادي الكويتي و دبي

المقارنة (Benchmarking) تعتبر اداة من أدوات التحليل الاقتصادي وطريقة سهلة لمعرفة مستوى الدولة مقارنة بالدول الاخرى، لذلك سنقارن الاقتصاد الكويتي مع دبي عن طريق استخدام الانتاج المحلي الاجمالي (GDP)، ومعرفة أهم الفروقات بين الاقتصادين واثارها على التنمية.
قبل الشروع  في تفاصيل الانتاج المحلي الاجمالي نشرح معناه العلمي، فهو اجمالي قيمة السلع والخدمات النهائية التي تم انتاجها محليا لفترة زمنية معينة ، بمعنى اخر هي انتاجية المجتمع من الخدمات والسلع ... وهذا الانتاج المحلي يمكن تقسيمه الى قطاعات او أنشطة مختلفة مثل القطاع الزراعي او الصناعي او الكهرباء والماء او النقل والمواصلات، هذا التقسيم يساعد اصحاب القرار على تحليل الاقتصاد ويمكن من خلاله تحديد ماهي القطاعات المهمة  او التي تحتاج الى معالجة ، يمكن ايضا من خلاله التعرف على الهيكل الاقتصادي بشكل عام ومعرفة نقاط القوه والضعف ...
الجدول التالي (رقم 1) يوضح الخطوط العامة لاقتصاد الكويت ودبي، واول ملاحظه هي تقسيم اقتصاد الكويت الى قطاع نفطي و غير نفطي، والسبب في ذلك ان الكويت هي دولة معتمده بشكل كلي على النفط في ادارة الدولة، وكل الايرادات الحكومية هي ايرادات نفطية تشكل 95% من اجمالي الايرادات، طبعا هذا النوع من التقسيم يعتبر صحيح او طبيعي في حالة ان الرؤيا الاقتصادية للدولة هي رؤية نفطية اي ان الدولة تريد ان تستمر في هذا المجال وان تصبح رائده في مجال النفط وان التنمية والتطور سيقام على النفط وتقام الاستراتيجيات والخطط على هذا الاساس، لكن للأسف هذا اول خطأ (في رأيي الشخصي) تقع فيه الحكومة لان الرؤيا الاقتصادية للكويت هي ان تكون مركز مالي عالمي وليس مركز نفطي، لذلك كان الاجدر ان يتم تقسيم الناتج الاجمالي الى قطاع مالي وغير مالي او على الاقل اضافة القطاع المالي الى القطاعين المذكورين مثل ما فعلت حكومة دبي في تقاريرها كما هو موضح في الجدول التالي.
فدبي استطاعت خلال عشر سنوات ان تغير هيكل اقتصادها بشكل كلي من امارة نفطية الى مركز مالي وسياحي عالمي وأصبح سوق مهم جدا وجذاب لجميع الشركات العالمية، وهذا واضح ينعكس في تقاريرها السنوية بحيث قسمت اقتصادها الى قطاع مالي وغير مالي حتى يتناسب مع الرؤية المستقبلية والخطط الاستراتيجية ...
جدول رقم 1 – مقارنة بين الانتاج المحلي الاجمالي لدولة الكويت وامارة دبي
الكويت
النسبة من الانتاج المحلي الاجمالي
دبي
النسبة من الانتاج المحلي الاجمالي
القطاع النفطي
55%
القطاع المالي
10%
القطاع الغير نفطي
45%
القطاع الغير مالي
84%
القطاع الحكومي
5%
مصدر: الموقع الالكتروني لحكومة دبي والادارة المركزية للإحصاء لدولة الكويت
الجدول رقم 2 مقسم الى قطاعات مختلفة، وكل قطاع ونسبته الى الانتاج المحلي الاجمالي، فمن خلال الجدول يمكن ان نأكد بان النفط يعتبر المحرك الاساسي لدولة الكويت لأنه يمثل 52% من اجمالي الانتاج المحلي، واذا نظرنا ايضا الى مكونات القطاع الصناعي سنرى بان 7% تمثل صناعات نفطية وتكرير واستخراج لمشتقات النفط، يعني ان القطاع الصناعي معتمد ايضا على النفط. لكن اذا نظرنا الى اقتصاد دبي، سنرى بان النفط لا يشكل اكثر من 1% من اجمالي الانتاج، وهذا يعتبر انجاز حقيقي لحكومة دبي، وهذا يعطيها استقلالية بدرجة لا بأس بها في حالة نزول اسعار النفط، في حين ان الكويت ستتأثر بشكل كبير في حالة وجود تذبذب في اسعار النفط.
جدول رقم 2 - النشاطات الاقتصادية لدولة الكويت وامارة دبي
النشاط الاقتصادي
الكويت
دبي
الزراعة والسمك
0%
0%
الاستخراجات النفطية والغاز الطبيعي
52%
1%
الصناعة
7%
14%
الكهرباء والماء والغاز
2%
2%
الانشاءات
2%
8%
تجارة الجملة والتجزئة
3%
29%
الفنادق والمطاعم
1%
5%
الاتصال والتخزين والنقل
6%
15%
الوسائط المالية والتأمين
7%
11%
الخدمات التجارية والعقار والتأجير
7%
13%
المجتمع والخدمات الاجتماعية
14%
3%
القطاع الحكومي
6%
مصدر: الموقع الالكتروني لحكومة دبي والادارة المركزية للإحصاء لدولة الكويت
ويمكن ملاحظة بان مصاريف المجتمع والخدمات الاجتماعية التي تتحملها الدولة مرتفعة بالنسبة الى الكويت بالمقارنة الى دبي، وحتى في القطاع الاخرى مثل التجزئة والاتصالات والمالية والفنادق جميعها مستواها متدني بالمقارنة الى دبي.
وملاحظه مهمة ايضا بان جميع القطاعات في الاقتصاد الكويتي مسيطرة من قبل الحكومة وانها ليست قائمة على الشركات الخاصة والمستثمرين، مما يعنى انها جميعا مرتبطة بشكل غير مباشر بالنفط، لان الحكومة الكويتية تدعم هذه القطاعات عن طريق الايرادات النفطية، وان اي خلل في الاسعار سيضعف الانتاج في جميع القطاعات. بعكس دبي، فنسبة انفاق الحكومة ومساهمتها المباشرة في الانتاج المحلي هو 6% فقط.
قد يقول البعض بان اقتصاد دبي هش وعرضة الى الازمات العالمية وان ما حدث في 2008 كان انهيار اقتصادي لحكومة دبي لولا ان ابوظبي دعمتها وساهمت في تقليل حدة الازمة، صحيح ان دبي تعرضت الى ازمة مالية وهذا طبيعي لاي دولة لها اقتصاد مفتوح ولديها علاقة اقتصادية مع جميع الدول الضخمة، لا يوجد هناك دولة لا تتأثر في الازمات الاقتصادية، لكن التاُثر بشكل نسبي يختلف من دولة الى أخرى.
ما تعرضت له دبي ليس بسبب خلل في هيكلها الاقتصادي او ان الفلسفة الاقتصادية التي تتبناها غير صحيحة، بالعكس ما تقوم به دبي كخطة استراتيجية صحيح، لكن الخلل هو اختباء الحكومة خلف شركة عملاقة تدعي " دبي وورلد"، حكومة دبي تمتلك هذه الشركة وتدير الاقتصاد من خلالها، فهذه الشركة تعتبر الشركة الأولى تملك اكبر واهم الشركات القائمة في دبي ولها أصول كثيرة، وكانت مديوناتها كبيرة تصل الى 80 مليار دولار، وعندما حدثت الازمة قللت قيمة أصولها ولا تحمل السيولة الكافية لدفع مديونياتها لذلك اضطرت للجوء الى ابوظبي للمساعدة.
دبي أخطأت في تركيز الاقتصاد في شركه واحده وجعلتها هي المحور الأساسي لكن هذا لا يعني ان المنهج الاقتصادي وخطوطه الرئيسية غير صحيحة، فالكويت تستطيع ان تتفادي أخطاء الاخرين وان تأسس اقتصاد سليم عن طريق تبني الاقتصاد الحر وجعل القطاع الخاص شريك أساسي في إدارة الاقتصاد .
خلاصة الكلام بان لدى الكويت امكانيات اكبر وفرص كثيرة تستطيع من خلالها ان تحقق ما حققته دبي في خلال 5 سنوات، وان كل يوم تتأخر فيها الحكومة عن تطبيق المنهج الصحيح سيدفع ثمنه الشعب الحالي والاجيال القادمة .